يطرح الباحث والدبلوماسي الإيراني السابق سيد حسين موسويان في هذا المقال قراءة نقدية لأزمة نظام عدم الانتشار النووي، موضحًا كيف كشفت الحرب المرتبطة بإيران عن خلل بنيوي في معادلة الأمن والالتزام الدولي، حيث لم تعد الامتثاليات النووية ضمانًا للحماية أو المساواة.
ينشر هذا التحليل موقع ميدل إيست آي، ويستعرض كيف تواجه معاهدة حظر الانتشار النووي اختبارًا صعبًا في ظل تصاعد التوترات العسكرية، خاصة مع انعقاد مؤتمر مراجعة المعاهدة في نيويورك، وسط شكوك متزايدة حول مصداقيتها.
التزام نووي بلا ضمانات أمنية
يكشف المسار الإيراني خلال العقدين الماضيين عن مفارقة واضحة، حيث خضعت طهران لأوسع نطاق من الرقابة الدولية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دون أن يؤدي ذلك إلى تحقيق استقرار أمني. تواصلت عمليات التفتيش والرقابة المكثفة، ولم تثبت التقارير وجود برنامج نووي عسكري نشط بشكل حاسم.
رغم ذلك، واجهت إيران عقوبات اقتصادية وضغوطًا سياسية وهجمات سيبرانية وعمليات عسكرية، ما عزز قناعة لدى صناع القرار الإيرانيين بأن الالتزام بالمعاهدة لا يحمي الدولة من التهديدات، بل قد يزيد من تعرضها للمخاطر.
الشفافية تتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية
تؤدي متطلبات الشفافية النووية إلى كشف تفاصيل حساسة تتعلق بالبنية التحتية والمنشآت والعلماء، ما يمنح خصوم الدولة معلومات يمكن استغلالها في عمليات استهداف دقيقة. يربط التحليل بين هذا الانكشاف وبين سلسلة من الهجمات التي طالت منشآت نووية إيرانية واغتيالات لعلماء بارزين.
تعزز هذه التجارب شعورًا متزايدًا داخل إيران بأن التعاون الكامل مع آليات الرقابة الدولية قد يحمل تكلفة أمنية عالية، خاصة في بيئة سياسية تتسم بالصراع وعدم الثقة. ويتوسع هذا الشعور ليشمل الشكوك حول حيادية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث ترى طهران أن تقاريرها تتأثر بضغوط سياسية من قوى غربية.
هيمنة سياسية تُضعف النظام الدولي
يشير التحليل إلى دور الولايات المتحدة وإسرائيل في تشكيل مسار الملف النووي الإيراني، حيث يحدد هذان الطرفان اتجاهات التفاوض والتصعيد، بينما تتراجع فاعلية المؤسسات الدولية إلى دور ثانوي يفتقر إلى الاستقلالية.
يضعف هذا الواقع ثقة الدول في قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعد عادلة، خاصة مع غياب ضغوط حقيقية على دول تمتلك أسلحة نووية خارج إطار المعاهدة. يبرز هذا التفاوت بشكل واضح في الشرق الأوسط، حيث تحتفظ إسرائيل بترسانة نووية دون انضمامها إلى المعاهدة أو خضوعها للرقابة الدولية.
ينعكس هذا التناقض على مصداقية النظام ككل، إذ ترى دول مثل إيران أن الالتزام بالقواعد لا يضمن معاملة متساوية، ولا يوفر الحماية من التهديدات العسكرية أو الضغوط الاقتصادية.
تعكس هذه التطورات أزمة عميقة في نظام عدم الانتشار النووي، حيث تتآكل الثقة في فعاليته وقدرته على تحقيق التوازن بين الأمن والالتزام. تدفع هذه الأزمة بعض الدول إلى إعادة تقييم جدوى الامتثال، في ظل قناعة متزايدة بأن الردع وليس الالتزام هو الضامن الحقيقي للبقاء.
يتطلب استعادة مصداقية هذا النظام بناء ثقة حقيقية في حياد المؤسسات الدولية، وتقليص الفجوة بين المبادئ القانونية والواقع السياسي، وإلا ستظل المعاهدة إطارًا شكليًا يفتقر إلى التأثير الفعلي في عالم تحكمه موازين القوة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/war-iran-fundamental-crisis-trust-nuclear-non-proliferation-treaty

